الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه وجميع المسلمين، أما بعد: فمن المعلوم أن العلماء الراسخين في العلم من الأصوليين والفقهاء والمفسرين وغيرهم تحدثوا عن زلات العلماء وبينوا حقيقتها، وصورها، وما يتصل بها من المباحث بما لا مزيد عليها، وهذه المقالة لا تدرس ما ذكروها، ولكن تجمع أقوالهم التي تنهى عن تتبعها وإذاعتها والعمل بمضمونها لخطورتها وآثارها السيئة المترتبة عليها، فشددوا رحمهم الله على من تتبعها وأذاعها وعمل بها للحفاظ على سياج الشريعة المطهرة، وصحة عبادات العباد، فجزاهم الله تعالى خير الجزاء، ووفقنا للسير على مناهجم، وفيما يأتي سرد تلك الأقوال: - قَالَ سيدنا عُمَرُ بنُ الخطاب لزِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ رضي الله عنهم: «هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ وَحُكْمُ الْأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ». رواه الدارمي في سننه (220). - قَالَ الإمام سُلَيْمَانُ بن طرخان التَّيْمِيُّ (ت: 143هـ) رضي الله عنه: «لَوْ أَخَذْتَ بِرُخْصَةِ كُلِّ عَالِمٍ اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ». رواه ابن عبدالبر (1766)، ثمّ قال:...«هَذَا إِجْمَاعٌ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ». "جامع بيان العلم وفضله" (2/ 297)، ط: دار ابن الجوزي. - قال الإمام أبو عمرو عبدالرحمن بن عمرو الْأَوْزَاعِيُّ (ت:157هـ): رضي الله عنه "وَمَنْ تَتَبَّعَ رُخَصَ المَذَاهِبِ، وَزَلاَّتِ المُجْتَهِدِيْنَ، فَقَدْ رَقَّ دِيْنُهُ". سير أعلام النبلاء (8/ 91) ط: الرسالة. - قال الإمام أبو عمرو عبدالرحمن بن عمرو الْأَوْزَاعِيُّ (ت: 157هـ) رضي الله عنه: " مَنْ أَخَذَ بِنَوَادِرِ الْعُلَمَاءِ فَفي فِيهِ الْحَجَرُ". رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (1778). - قال الْقَاضِي إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ (ت: 282هـ) رضي الله عنه: دَخَلْتُ عَلَى الْمُعْتَضِدِ، فَدَفَعَ إِلِيَّ كِتَابًا نَظَرْتُ فِيهِ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ لَهُ الرُّخَصَ مِنْ زَلَلِ الْعُلَمَاءِ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مُصَنِّفُ هَذَا الْكِتَابِ زِنْدِيقٌ، فَقَالَ: أَلَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ؟ قُلْتُ: " الْأَحَادِيثُ عَلَى مَا رُوِيَتْ، وَلَكِنَّ مَنْ أَبَاحَ الْمُسْكِرَ لَمْ يُبِحِ الْمُتْعَةَ، وَمَنْ أَبَاحَ الْمُتْعَةَ لَمْ يُبِحِ الْغِنَاءَ وَالْمُسْكِرَ، وَمَا مِنْ عَالِمٍ إِلَّا وَلَهُ زَلَّةٌ، وَمَنْ جَمَعَ زَلَلَ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ أَخَذَ بِهَا ذَهَبَ دِينُهُ "، فَأَمَرَ الْمُعْتَضِدُ فَأُحْرِقَ ذَلِكَ الْكِتَابُ". رواه البيهقي في السنن الكبرى (20921). - سُئِلَ الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي (ت: 676هـ) رحمه الله هل يجوز لمن تمذهب بمذهب أن يقلد مذهبًا آخرَ فيما يكون به النفع، ويتتبع الرخص؟ أجاب رضي الله تعالى عنه: "لا يجوز تتبع الرخص، والله أعلم". فتاوى الإمام النووي، المسمى " بالمسائل المنثورة" (236) تح: محمَّد الحجَّار. - قال الإمام شمس الدين الذهبي الشافعي (ت: 748هـ) رحمه الله:" ...وَلَوْ أَنَّا كلَّمَا أَخْطَأَ إِمَامٌ فِي اجْتِهَادِهِ فِي آحَادِ المَسَائِلِ خَطَأً مَغْفُوراً لَهُ، قُمْنَا عَلَيْهِ، وَبدَّعْنَاهُ، وَهَجَرْنَاهُ، لَمَا سَلِمَ مَعَنَا لاَ ابْنَ نَصْرٍ، وَلاَ ابْنَ مَنْدَةَ، وَلاَ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا، وَاللهُ هُوَ هَادِي الخَلْقِ إِلَى الحَقِّ، وَهُوَ أَرحمُ الرَّاحمِينَ، فَنَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الهوَى وَالفظَاظَةِ" سير أعلام النبلاء (14/ 376). - قال الإمام شمس الدين الذهبي الشافعي (ت: 748هـ) رحمه الله: " ...وَلَوْ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ مَعَ صِحَّةِ إِيْمَانِهِ، وَتَوَخِّيْهِ لاتِّبَاعِ الحَقِّ أَهْدَرْنَاهُ، وَبَدَّعنَاهُ، لَقَلَّ مَنْ يَسلَمُ مِنَ الأَئِمَّةِ مَعَنَا، رَحِمَ اللهُ الجَمِيْعَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ". سير أعلام النبلاء (14/ 376). - قال العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب الحنبلي المعروف بابن القيم (ت:751هـ) رحمه الله: "...فَإِنْ كُنَّا قَدْ حَذَّرْنَا زَلَّةَ الْعَالِمِ وَقِيلَ لَنَا: إنَّهَا مِنْ أَخْوَفِ مَا يُخَافُ عَلَيْنَا، وَأُمِرْنَا مَعَ ذَلِكَ أَنْ لَا نَرْجِعَ عَنْهُ، فَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ إذَا بَلَغَتْهُ مَقَالَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ أَنْ لَا يَحْكِيَهَا لِمَنْ يَتَقَلَّدُهَا، بَلْ يَسْكُتُ عَنْ ذِكْرِهَا إنْ تَيَقَّنَ صِحَّتَهَا، وَإِلَّا تَوَقَّفَ فِي قَبُولِهَا؛ فَكَثِيرًا مَا يُحْكَى عَنْ الْأَئِمَّةِ مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ". إعلام الموقعين عن رب العالمين (3:222)، ط: دار الكتب العلمية. - قال الإمام إبراهيم بن موسى بن محمد بالشاطبي المالكي (ت:790هـ) رحمه الله: " فَإِذَا صَارَ الْمُكَلَّفُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ عَنَّتْ [أي: طرأت] لَهُ يَتَّبِعُ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ، وَكُلَّ قَوْلٍ وَافَقَ فِيهَا هَوَاهُ؛ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ التَّقْوَى، وَتَمَادَى فِي مُتَابَعَةِ الْهَوَى، وَنَقَضَ مَا أَبْرَمَهُ الشَّارِع وَأَخَّرَ ما قدمه، وأمثال ذلك كثيرة". الموافقات (3/ 120)، ط: دار ابن عفان. وصلى الله وسلم على سيدما محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. |