د.عبدالله شيركاويي عضو المكتب التنفيذي - اتحاد علماء الدين الإسلامي في اقليم كوردستان يُعدّ التواصل والانفتاح على العالم الخارجي أحد الأهداف الإستراتيجية البارزة لاتحاد علماء الدين الإسلامي في كردستان، إذ يسعى الاتحاد من خلاله إلى إيصال الصورة الحقيقية عن واقع التدين في المجتمع الكردي، وإبراز رسالة علماء الدين في الدفاع عن الحقوق القومية والإنسانية، إلى جانب تبادل التجارب والخبرات في مجالات التطور الفكري والثقافي. ويهدف الاتحاد كذلك إلى تصحيح المفاهيم السائدة حول العلاقة بين الدين وحقوق الإنسان والحريات العامة في كردستان، بوصفها منطقة تحمل إرثًا دينيًا وإنسانيًا غنيًا ومتسامحًا. كثيرًا ما وُجّه النقد إلى الكرد بأنهم نجحوا في إيصال قضيتهم السياسية إلى العالم، لكنهم لم يقدّموا الصورة الدينية والثقافية التي تعبّر عن عمق هويتهم الإسلامية كما يجب. هذا القصور أدى إلى سوء فهم من قبل بعض الدول والجهات، التي تصورت الكرد شعبًا بعيدًا عن الالتزام الديني أو أنهم بلا أسس واضحة للتعايش والقيم الإسلامية. بل ذهب البعض إلى حدّ التشكيك في إسلامهم أو وصفهم بقومية بلا هوية دينية. وفي مواجهة هذه النظرة القاصرة، عمل اتحاد علماء الدين الإسلامي في كردستان خلال الأعوام الأخيرة على بناء علاقات قوية مع العديد من الدول والمؤسسات الفكرية والدينية، ونجح في إيصال صوت علماء كردستان ورؤيتهم المتوازنة حول الدين والمجتمع، مؤكدًا أن الكرد ليسوا طارئين على الحضارة الإسلامية، بل كانوا عبر قرون جزءًا أصيلًا من نسيجها الفكري والعلمي. برز هذا الدور بوضوح في المشاركة اللافتة للدكتور عبد الله ملا ويسي، رئيس اتحاد علماء الدين الإسلامي في كردستان، في الندوة الدولية الثالثة والثلاثين حول الدين والقانون الدولي، التي عُقدت في الولايات المتحدة الأمريكية( 5-7 أكتوبر 2025 ) بمشاركة أكثر من مئة وفد يمثلون 54 دولة. في هذا المحفل العالمي، نقل الدكتور ويسي رسالة الكرد إلى المجتمع الدولي، مؤكدًا أن الحرية الدينية والتعايش الإنساني في كردستان ليست شعارات سياسية، بل واقع عملي راسخ في الحياة اليومية للمجتمع. وأوضح أن التجربة الكردستانية تقدم نموذجًا فريدًا في الشرق الأوسط للتعددية الدينية والانسجام الاجتماعي، إذ يعيش المسلمون إلى جانب المسيحيين والإيزيديين والكاكائيين وغيرهم في إطار من المساواة الكاملة أمام القانون، دون تمييز أو اضطهاد. كما أكد أن الدستور المحلي في الإقليم يحظر استخدام مصطلح “الأقليات الدينية”، ويعتبر جميع المكونات شركاء في الوطن. عرض الدكتور ويسي في كلمته صورة مشرقة عن إقليم كردستان باعتباره منطقة فريدة في العراق، لا من حيث الجغرافيا فحسب، بل من حيث الخصوصية الثقافية والدينية التي تميّزه عن باقي مناطق البلاد. فالإقليم يقوم على قيم التسامح الديني واحترام الآخر، وهو اليوم أحد أكثر المناطق استقرارًا وأمانًا في الشرق الأوسط من حيث العلاقات بين المكونات الدينية. وأشار إلى أن وزارة الأوقاف في كردستان لا تُعنى بالشؤون الإسلامية فقط، بل تمثل جميع الديانات الموجودة في الإقليم، وهو ما يعكس روح العدالة والمواطنة المتساوية. كما أشار إلى القوانين التي تحمي حرية المعتقد، والتي منعت أي خطاب كراهية أو تحريض ديني، معتبرًا أن هذه السياسة هي من ثوابت القيادة الكردية التي أرساها الرئيس مسعود بارزاني، وجعلت من الإقليم نموذجًا يُحتذى في التعايش الديني. ولفت إلى أن كردستان كانت دائمًا ملجأً آمنًا لأتباع الديانات الأخرى، ولا سيّما حين اجتاح تنظيم داعش مناطق وسط وجنوب العراق، إذ فتحت سلطات الإقليم أبوابها أمام آلاف المسيحيين والإيزيديين الفارين من بطش التنظيم، وقدّمت لهم الحماية والمأوى. تطرّق الدكتور ويسي كذلك إلى مفهوم الحرية الدينية في الإسلام، موضحًا أنها تقوم على حق الإنسان في اختيار معتقده وممارساته دون إكراه، شريطة ألا تتحول الحرية إلى تهديد للنظام العام أو حقوق الآخرين. وبيّن أن الإسلام الحقيقي يضمن حرية المعتقد ويحترم جميع الديانات، لأنه دين الفطرة والعقل والرحمة، وهو ما يميزه عن كثير من المفاهيم الضيقة التي تُنسب إليه زورًا. وأكد أن الفهم الكردي للإسلام مستمد من تعاليم العلماء والمفكرين الكرد عبر التاريخ، الذين جمعوا بين الإيمان العميق والانفتاح على الآخر، فكانت كردستان على الدوام أرضًا للعلماء والمصلحين، لا للتعصب والانغلاق. إن إيصال هذه الرسالة من قِبَل عالم كردي من قلب الولايات المتحدة يُعدّ خطوة تاريخية وإنجازًا فكريًا وإنسانيًا كبيرًا. فقد تحوّلت تجربة التعايش الديني في كردستان من نموذج محلي إلى مثال عالمي يُستشهد به في المنتديات الدولية، لتؤكد أن الشعب الكردي، رغم حرمانه من حق تقرير المصير حتى اليوم، لا يزال حاملًا لرسالة إنسانية سامية تنبذ العنف وتدعو إلى المحبة والسلام. وختم الدكتور عبد الله ملا ويسي كلمته بالتأكيد على أن علماء الدين في كردستان سيواصلون أداء دورهم الفكري والإنساني في الدفاع عن قيم الإسلام المعتدل وحقوق الإنسان، وأن رسائلهم ومواقفهم في المحافل الدولية تمثل دعمًا حقيقيًا للقضية الكردية في إطار من السلم والحوار والتعايش. |