یه‌کێتی زانایانی ئاینی ئیسلامی کوردستان
كوردى | العربية ئێمە لە فەیسبوک په‌یوه‌ندی  |  لقه‌کان  |  ستافی کار  |  لینکی پێویست
*****    *****   مامۆستا مەلا عەلی مێرگەسەری کۆچی دوایی کردو یەکێتی زانایان پرسەنامەیەک ئاراستەی خانەوادەکەی دەکات    *****    *****   بە ئامادەبوونی سەرۆکی یەکێتی زانایان مزگەوتی "حاجی سەنیە" لە شاری هەولێر کرایەوە    *****    *****   یەکێتی زانایان پێشوازی لە بەڕێوەبەری گشتیی ئەوقافی پارێزگای هەولێر دەکات    *****    *****   ئەنجومەنی باڵای فەتوا: رێژەی زەکاتی پارەو سەرفیترەو فیدیەو زێڕو زیو دیاری دەکات    *****    *****   لە ژێر چاودێری یەکێتی زانایان سیمپۆزیۆمێک بەناونیشانی (نەزۆکی و پاراستنی شیرازەی خێزان) بەرێوە دەچێت    *****    *****   یەکێتی زانایان بە بۆنەی هاتنەوەی مانگی پیرۆزی رەمەزان یەیامێک بڵاودەکاتەوە    *****    *****   یەکێتی زانایان لە پێشوازی مانگی پیرۆزی رەمەزان و تاوتوێکردنی چەند پرسێکی هاوچەرخ و پەیوەندیدار تاوتوێ دەکات    *****    *****   کێشەی قوتابیانی خوێندنی ئیسلامی چارەسەر کراو بڕیاری پێویست دەرچوو    *****    *****   ساڵیادی رادیۆی (دەنگی زانایان) لەهەموو لایەک پیرۆز بێت    *****    *****   مامۆستا مەلا حمدامین بەرگرکەیی کۆچی دوایی کردو یەکێتی زانایان پرسەنامەیەک ئاراستەی خانەوادەکەی دەکات    *****    *****   سەرۆکی یەکێتی زانایان لە سەر رەوشی کوردانی رۆژئاڤا پەیوەندییەکی تەلەفۆنی لەگەڵ سەرۆکی دەزگای خێرخوازی بارزانی ئەنجام دەدات    *****    *****   دیداری سەرۆکی یەکێتی زانایان و شێخ مورشید خەزنەوی و تاوتوێکردنی رەوشی کوردانی سوریاو هەڵوێستی زانایان   
منقول
به‌رواری دابه‌زاندن: 12/02/2026 : 20:08:32
قه‌باره‌ی فۆنت
ملا عبد الله الفرهادي - سيرةُ عالمٍ حمل همَّ الدين والوطن

   (2010 - 1918)

بقلم: أ.د. عبدالباقي عبدالجبار الحيدري

 

ليست سِيَرُ العلماء أوراقًا تُحفَظ في أرشيف الزمن، بل جذورًا راسخةً في تربة الذاكرة، تُظلِّل الأجيال كلما اشتدّت عليها المحن. ومن تلك الجذور الطيبة تبرز سيرة الملا عبدالله الفرهادي؛ عالمٌ عاش بسيطًا في مظهره، عظيمًا في أثره، فجمع بين العلم والخُلُق، وبين الإيمان والانتماء.

أولًا: الميلاد والنشأة (1918)

وُلد عام 1918 في قرية لهيبان التابعة لمحافظة أربيل. ولمّا بلغ الثالثة من عمره فقد والديه، فنشأ يتيمًا يتنقّل مع أقاربه بين القرى؛ من (هيلەوە) في سفح زورگه‌ زراو إلى (گرد عازەبان) جنوب أربيل.

نشأ في بيئةٍ ريفية بسيطة، لكنها عامرة بالإيمان والعادات الأصيلة. هناك تعلّم الصبر، وتشرّب روح الاعتماد على الله، وأدرك مبكرًا أن اليُتم قد يكون بداية قوةٍ داخليةٍ وإرادةٍ صلبة.

وينتمي إلى عشيرة المَمّان، وهي عشيرةٌ عُرفت بتمسّكها بالدين واعتزازها بهويتها، فكان لذلك الأثرُ البالغ في تكوين شخصيته؛ إذ جمع بين عزّةٍ لا تعرف الكِبر، وتواضعٍ لا يمسّ الهيبة، وثباتٍ يزدانه حياءٌ ووقار.

ثانيًا: طلب العلم والتكوين العلمي

بدأ تعلّمه في الكتّاب، جالسًا على الحصير، يتهجّى الحروف ويحفظ القرآن الكريم. ولم يكن طلبه للعلم سعيًا وراء مكانة، بل رغبةً صادقةً في الفهم والعمل.

تدرّج في دراسة الفقه واللغة والتفسير على أيدي علماء عصره، ولازم شيوخه سنواتٍ طويلة حتى نال الإجازة العلمية، التي كانت آنذاك شهادة أمانةٍ ومسؤولية قبل أن تكون وثيقة معرفة.

آمن بأن العلم لا يثمر إلا إذا تحوّل إلى سلوكٍ يومي؛ لذلك عُرف باستقامته قبل شهرته، وبأخلاقه قبل خطبه.

ثالثًا: صفاته وسلوكه

كان هادئ الطبع، قليل الكلام، عميق الأثر؛ إذا تحدّث أنصت الناس، وإذا صمت شعروا بأن في صمته حكمة. كان بسيطًا في لباسه، متواضعًا في مجلسه، وهيبته نابعة من صدقه لا من منصبٍ أو لقب.

عُرف بقيام الليل وكثرة الذكر، وكان يرى أن العالم الحقّ هو من يخشى الله في السرّ والعلن. لم يساوم على مبدأ، ولم ينشغل بخصومات شخصية، بل جعل جهده منصبًّا على إصلاح النفوس وتقريب القلوب.

رابعًا: دوره الدعوي والاجتماعي

لم يحصر علمه في حلقات الدرس، بل حمله إلى الناس؛ خطب في المساجد، وعلّم الطلبة، وسعى في الإصلاح بين المتخاصمين.

وأسهم في تأسيس اتحاد علماء الدين الأحرار عام 1959، في مرحلةٍ حساسة من تاريخ العراق، حين كانت التحولات السياسية والفكرية تفرض تحديات كبيرة على المجتمع.

كان يؤمن بأن الدين رسالة رحمةٍ وعدل، وأن مسؤولية العالم أن يوجّه الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، بعيدًا عن التعصّب والانفعال.

خامسًا: مواقفه القومية والوطنية

برز بين علماء الكورد رجالٌ أدّوا خدمات جليلة لأمتهم، وساهموا في درء المفاسد عن مجتمعهم، ولم ينسوا حقوق شعبهم الذي عانى التهجير والترحيل وتدمير البلاد. وقد ركّز هؤلاء العلماء على التعايش السلمي والتآلف وفق المنظور الإسلامي، بعيدًا عن التعصب القومي والعرقي.

وكان الملا عبدالله الفرهادي واحدًا من هؤلاء؛ إذ كان مخلصًا لدينه ووطنه وشعبه، وكانت أمنيته أن يرى قومه يعيشون أحرارًا أعزّاء، لهم كيانهم المستقل. وقد عبّر عن اعتزازه القومي في شعره، فقال:

أنا كوردي عريقُ النسب

وأناجي اللهَ وقتَ السحر

أن ترحمَ يومًا تراني هنا أنا

أفتدي قومي بأبي وأمي

أن ينيلَ الكوردَ أعلى الرتب

عبدُ الفرهادي (حزني) اللقب

عاش فتراتٍ من الاضطراب السياسي والقومي، فكان صوته واضحًا في الدفاع عن كرامة الإنسان وحقوقه المشروعة. كتب بالعربية والكردية، ورأى أن خدمة الوطن امتدادٌ لخدمة الدين، وأن نصرة المظلوم واجبٌ أخلاقي لا يقبل التأجيل.

سادسًا: إنسانيته في حياته اليومية

كان واصلًا للرحم، رحيمًا بأقاربه وجيرانه، قريبًا من الفقراء والمحتاجين؛ يزور المرضى، ويسعى في قضاء الحاجات، ويعامل الجميع باحترامٍ وتقدير.

ومن مظاهر وفائه أنه كان يقرأ الفاتحة ويدعو كل ليلةٍ لأصحاب المقابر في القرى التي عاش فيها وتعلّم على أرضها، وفاءً لأهلها الذين ساندوه في بداياته. وفي الأعياد كان يحرص على زيارة أبناء إخوته وصلة رحمه دون تكلّف.

لم يكن التزامه الديني تشدّدًا في المظهر، بل خُلُقًا متجسّدًا في المعاملة؛ فكان سلوكه دعوةً صامتة أثّرت في من حوله.

سابعًا: عطاؤه العلمي… حين يتحوّل العلم إلى أثرٍ مكتوب

لم يكن الملا عبدالله الفرهادي عالمًا شفهيَّ التأثير فحسب، بل كان صاحب قلمٍ واعٍ أدرك أن الكلمة المكتوبة أبقى من الصوت، وأن الكتاب قد يعيش ما لا يعيشه صاحبه. لذلك ترك تراثًا علميًّا متنوعًا يعكس سعة اهتمامه وتعدّد معارفه.

بدأ نتاجه العلمي بكتاب «لمعة البيان في قواعد ترتيل القرآن» (1952م)، ثم تتابعت مؤلفاته الفقهية مثل «إيقاف الخلاف ودرء الاعتساف في إعادة صلاة الجمعة ظهرًا» (1956م) و**«الحج المبرور والذنب المغفور» (1957م)**، حيث عالج قضايا تمسّ حياة الناس اليومية بلغةٍ علمية رصينة.

وألّف في البلاغة كتاب «أحسن الصياغة في حلية البلاغة»، وفي التوجيه الأخلاقي «رسالة منافع الصوم ومضار الخمر». كما وثّق تاريخ مدينته في «الإكليل في محاسن أربيل»، مسجّلًا سِيَر العلماء ومعالم المدينة.

وكتب في حبّ النبي ﷺ والمولد النبوي، واشتغل بالمنظومات الكردية، ومن أبرزها ترجمته للفرائض الرحبية. أما في الأدب، فترك دواوين شعرية بالعربية والكردية، إلى جانب مؤلفاتٍ غير مطبوعة، مثل «موجز عن أربيل» و**«أزهار من رياض الأدب»** و**«منهل الحكمة»**.

إن تنوّع هذه المؤلفات يدلّ على شخصيةٍ علمية شاملة، رأت في العلم رسالةً متكاملة تخدم الدين والمجتمع والهوية.

ثامنًا: الرحيل (2010)

توفي عام 2010 بعد حياةٍ حافلة بالتعليم والدعوة والإصلاح. شيّعه الناس بمحبةٍ صادقة؛ فقد عرفوه عالمًا قريبًا منهم، يعيش همومهم ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم.

رحل الجسد، وبقي الأثر في نفوس تلاميذه، وفي ذاكرة أربيل التي احتضنت مسجده ومجالسه وخطواته.

إن سيرة الملا عبدالله الفرهادي تذكيرٌ بقيمة العالم الذي يجمع بين العلم والعمل، وبين الإيمان والانتماء، فيعيش لدينه ووطنه في هدوءٍ وإخلاص.

رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه صدقةً جارية، وألحقه بالصالحين.